أتقابل مرة أسبوعياً مع عدد من الأمهات وأطفالهم، لنغني ونلعب معاً ونتشارك الخبرات، وقد فاجأتني القائمة على المجموعة هذا الأسبوع بتعليق دفعني إلى التفكير كثيراً... فقد قالت وهي تتأمل الأطفال السبعة، الذين تتراوح أعمارهم بين أربعة وستة أشهر: "كم هم جادون.... الجميع يتحدث عن الأطفال وهي تضحك كثيراً أو تبكي كثيراً، لكن قلما يتحدث أحد عن جدية الأطفال..."
ووجدتني أوافقها الرأي تماماً، فعندما أتأمل ابنتي الصغيرة، منذ أن كانت تبلغ شهراً وحتى اليوم وهي تقترب من بلوغ شهرها السادس، تدهشني جديتها الشديدة... فهاهي تتأمل أيديها بمنتهى التركيز والاستغراق، أو تتأمل لعبة جديدة، وقد تمضي عشرات الدقائق تنظر لتلك اللعبة وتقلبها بين أيديها.. وتلك النظرة الجادة تجعلني أنا أيضاً أنظر وأتساءل، ترى فيما تفكر؟؟؟؟ ترى كيف تفهم الأشياء وتراها؟؟؟ وهل يمكنني حقاً أن أنظر مرة أخرى للأشياء والحياة والأشخاص حولي بتلك النظرة المتأملة العميقة؟؟؟؟ تلك النظرة المستغرقة تماماً، التي لا يشتتها شيء ولا يخرجها من تأملها أحد..
كم من مرة دفعتني صغيرتي للنظر لشيء، أقابله في طريقي يومياً، ولكنني أبداً لم أنظر إليه... كل هذا دون كلام، دون تشتيت...
وكم من مرة أرى تلك المحاولات الجادة غير اليائسة للقيام بحركة جديدة، رفع الرأس مثلاً، أو تحريك القدمين على أمل أن تتمكن من الوصول إلى شيء لفت نظرها ... كم هي مستغرقة، وكم تحاول دون أن تيأس.. ربما تتعب، لكنها تعيد المحاولة مرات ومرات....
نتحدث دائماً عن "براءة الأطفال"، عن "لطفهم"، عن "بكائهم"، عن "نومهم" ولكننا بالفعل قلما نتحدث عن "جديتهم".... رغم أنني لو قسمت اليوم، لوجدت بالفعل أنها تقضي معظم أوقاتها في تلك "الأعمال الجادة"...
أعتقد أن عادة القراءة لعنة علي أن أتعالج منها.... !!!!
فأنا تائهة بين عدد لا نهائي من نظريات تربية الأطفال، منذ جاءت ابنتي إلى الحياة.. وفي معظم تلك النظريات أعتمد على الفطرة، وأقبل فقط ما يرضي عقلي وقلبي.. لكني أقف حائرة أمام نظريات النوم، إذ أن ابنتي لا تريد أن تنام.. بل بمعنى أدق، هي تريد أن تنام، وهي في غاية التعب، لكنها لا تستطيع النوم في معظم الأيام، وعلينا أن نكافح طويلاً حتى نصل إلى مرحلة السكون والنوم.... ونظريات النوم عديدة ولا نهائية... وتتراوح هذه النظريات بين ترك الطفل يبكي حتى ينهار، وبين البقاء بجانبه وحمله وتدليله، حتى لو استغرق الأمر اليوم كله..
وأنا لا أعلم أي النظريات أختار، ولكني أريد أن أتوقف عند تلك النظرية القائلة أنه علينا ترك الطفل يبكي حتى ينهار.. "وذلك لتعويده أن يهدئ نفسه".... فقد تعجبت جداً من تلك النظرية، أولاً لأنني لا أجد مبرراً لتعويده "أن يهدئ نفسه"!!! فإن كنا نحن الكبار نحتاج أحياناً لمن يهدئنا أو يخفف عنا آلامنا، أو يشاركنا فيها على أقل تقدير، فلماذا علينا أن نطلب من الطفل أن "يهدئ نفسه"!!!!! أعتقد أن هذه النظرية ضد الإنسانية، وضد الأمومة والأبوة... وضد الحب ... ولا أفهمها..
لا أنكر أنني اضطررت يوماً للجوء إليها، لكنني تأكدت من موقفي...
أما التبرير الثاني الذي يقوله المدافعون عن هذه الطريقة فهو "عدم تدليل الطفل وتعويده أن يأخذ كل ما يريده".. ولكني أتساءل هل يمكن لطفل لا يعي بعد كيف يحرك يديه أن يتحكم "عن عمد" في أبويه؟؟؟؟؟ أعتقد أن هذا الكلام ضد المنطق.. فالطفل في هذا السن لا يدرك بعد الأشياء حوله ويسعد عندما يفهم أن الأشياء لا تختفي، فكيف أصدمه وأتركه لدقائق (هي بالنسبة له أبدية لن تنتهي) يعتقد أن أمه وأباه لم يعودا موجودين؟؟؟؟؟ وأن لا أحد يستمع لبكائه؟؟؟؟
قد يختلف معي الكثيرون، لكني أعتقد أنني أحب أن "أدلل" ابنتي في هذا السن، وأن أعطيها ما تحتاجه لتشعر بالأمان ولتعرف ما هو الحب.
أريد أن أستفيد من تلك الدقائق الثمينة.. فابنتي الصغيرة نامت أخيراً، وأنا أتمنى أن أستفيد ببعض الدقائق من الحرية.. وهذا الوقت لا يتكرر كثيراً..
ولكني عاجزة؟؟؟ فماذا أختار؟؟
هل أكتب؟؟؟ أشعر بالعجز وبعدم القدرة على التركيز أو التفكير المنظم.. كيف لا يمكنني الآن أن أكتب شيئاً مما يدور في ذهني، تلك الأفكار التي تمر بسرعة أكبر من أن أستطيع تسجيلها.. والآن، وأنا أملك بعض الوقت، أشعر بالعجز عن تدوينها..
كما أنني ما أن أحاول أن أركز أفكاري، حتى أسمع الصراخ يناديني من بعيد..
فهل أكتفي باحتساء فنجان القهوة والاطلاع على الجرائد ومتابعة الأخبار؟؟
هل أضيع الوقت في تصفح الفيسبوك، والذي أصبح الحل الأسهل في مثل هذه الحالات من انعدام التركيز؟؟ كما أنه أصبح بمثابة إدمان لدي، خاصة وقد أصبح وسيلتي الوحيدة للتواصل مع عالم الكبار؟؟
هل أتصل بأحد الأصدقاء؟؟
هل أستفيد في هذا الوقت الثمين للنوم والراحة التي أفتقدها منذ شهور..
هل أؤدي بعض المهام المنزلية؟؟؟؟ التي أكرهها ولكنها تفرض نفسها، فهي ضرورة...
هل هل هل .....
ضاع الوقت مجدداً، وها أنا أسمع الصراخ يناديني...
هكذا تمضي تلك الدقائق الثمينة بشكل شبه يومي، منذ بدأت صغيرتي في الانتظام في النوم، ومنذ بدأت أتعافى من تعب الولادة والفترة الأولى في حياتها.... ولكن الأمر الأكيد أنني كنت أضيع الساعات من قبل، دون أن أدرك قيمتها.. أما الآن فقد أصبحت الدقائق التي يمكنني أن أقضيها "مع نفسي" كنزاً لا يقدر بمال، ولا حتى بأعمال!!!!
لقد صمت عندما قرأت حادثة مقتل مروة، لكني صدمت أكثر من ردود الأفعال!! ولا أقصد بذلك بالطبع الغضب الذي ساد الشارع المصري، فهذا أمر طبيعي... ولكني أقصد أن يصل هذا الغضب بنا إلى الغباء والتعميم الأعمى وأن تسود ثقافة الغوغائية!!
نعم، قتلت مروة لأسباب عنصرية، وقتلها ألماني روسي متعصب.. تعصبه في الغالب موجه بشكل خاص ضد المسلمين وربما ضد الأجانب بشكل عام..
ولكن هل يمكن أن يؤكد البعض في وسائل الإعلام العربية أن هذه كانت مؤامرة ألمانية؟
وهل يمكن أن يكون رد فعل أغلبية المصريين: "نعم، فالألمان يكرهون المسلمين والعرب، وألمانيا تقوم بحملة منظمة لإبادتهم!!" أو "من المعروف أن الغرب يكرهنا"..
نعم قتلت مروة لأسباب عنصرية، لكنها قبل أن تقتل، تقدمت بشكوى ضد من سبها ووصفها بالـ"إرهاب"، لمجرد أنها ترتدي الحجاب.. ولو كانت المحكمة متآمرة لما حكمت لها، ولما حكمت على الجاني بغرامة مادية بتهمة السب والعنصرية..
وأنا هنا لا أدافع عن المحكمة، ولكني أرى أنه لكي نتقدم للأمام فعلينا أن نسمي المشكلات بأسمائها:
الصدمة الكبرى بالنسبة لي كانت أن تقتل مروة في قاعة المحكمة!!
وكيف يكون القاتل قد تمكن من الدخول إلى القاعة وهو يحمل سلاحاً، أياً كان نوعه؟
ولكني أعلم أنها ليست الحالة الأولى، فمنذ عدة أشهر قام أحد المتهمين (الألمان)، بقتل أخت زوجته (الألمانية) بمسدس داخل قاعة إحدى المحاكم في ولاية بافاريا..
وبالتالي هناك وقفة..
واضح أن المحاكم غير مؤمنة بشكل كاف، وأن الشرطة المتواجدة غير مؤهلة لمثل هذه الحالات.. وواضح أن على الألمان أن يعيدوا النظر في فكرة أن يترك المتهم حراً طليقاً... أو دون حراسة شخصية على أقل تقدير...
فوجئت في اليوم التالي للحادث بالكثيرين الذين يتصلون بي متسائلين: "لماذا أهملت وسائل الإعلام الألمانية هذا الحادث، ولم تكتب عنه؟"
وبعدها عرفت أن بعض وسائل الإعلام العربية أكدت أن الحادث أهمل تماماً في وسائل الإعلام الألمانية، بالرغم من أني قرأت الحادث في الصحف الألمانية الالكترونية (دير شبيجل، تاجسشاو، شتيرن، فوكوس، فرانكفورتر ألجماينه، تاجستسايتونج... وغيرها)، منذ اليوم الأول للحادث وقبل أن تكتب عنه أية صحيفة عربية..
وما فاجأني أكثر هو سياسة القطيع.. فالأغلبية جرت وراء هذه الفكرة، لتثبت لنفسها ما تريد إثباته دون أن تبحث أو تتقصى..
وانتقد البعض أن الصحف لم تبرز الحدث ولم تخصص له الصفحات الأولى، ولكنه ليس بالأمر المعتاد في مثل هذه الحوادث، وعندما تقتل أم أبنائها التسعة (وهي حادثة اكتشفت العام الماضي)، لا تكتب عنها الصحف أكثر من خبر صغير.. وهي في رأيي أيضاً ظاهرة اجتماعية يجب مناقشتها، وليست الوحيدة من نوعها في السنوات الأخيرة في ألمانيا...
وأنا لا أدافع عن الصحف الألمانية، لكني أريد أن ننتقد ما يستحق الانتقاد...
ففي رأيي السؤال الأهم من أي مساحة تخصصها الصحف ووسائل الإعلام الألمانية للحادثة، هو أي دور لعبه ربما الإعلام في نشر صور مغلوطة عن الآخر؟ وترويج سياسة الخوف من الآخر المختلف؟
وما هو الدور الذي أهملته وسائل الإعلام في دعم التفاهم والحوار؟
وما هي القضايا التي تحرك وسائل الإعلام؟؟؟ ولماذا فردت الصفحات للانتخابات الإيرانية في كل الصحف العالمية – بما فيها العربية؟؟؟
صدمت من هتافات "مثل تسقط ألمانيا"، ومن اتهام النظام الألماني ككل بالتخاذل، ومن انتقاد الحكومة الألمانية التي لم تعط أية تصريحات سريعة ومن اتهام ألمانيا ككل بكراهية المسلمين..
ولو كان الحال بهذا السوء في ألمانيا، فلماذا اختار أكثر من 3 ملايين مسلم ألمانيا كوطن لهم؟ ولو كان الحال بهذا السوء، فلماذا بني أكبر جامع في أوروبا في مدينة دويسبورج الألمانية؟
ولماذا يأتي الآلاف للدراسة في ألمانيا سنوياً، وبينهم الكثير من المحجبات؟؟
أما عن موقف الحكومة الألمانية، فأنا لم أستغربه، بعد أن قضيت سنوات هنا... فالحكومة الألمانية شديدة التحفظ في تصريحاتها، وعندما يخطف ألمان في أي دولة في العالم، تأتي التصريحات بعد أيام وأيام وبعد أن تكون كل وسائل الإعلام قد كتبت عنها صفحات وصفحات..
وأنا لا أدافع عن الحكومة..
ولكني أرى أنه يجب توجيه الانتقاد السليم.. فحوادث العنصرية تزداد حسب الإحصائيات الرسمية في ألمانيا، بشكل واضح.. وهي ليست موجهة فقط ضد المسلمين، ولا فقط ضد العرب.. لكن هناك حوادث كراهية للأجانب بشكل عام من هنود وأفارقة ويهود وغيرهم.. وعدد النازيين الجدد في ازدياد واضح، خاصة في بعض المدن وبعض المناطق من ألمانيا..وبالتالي على الحكومة أن تواجه مثل هذه الحوادث وتبدأ في التعامل معها بشكل أكثر فعالية.. يجب إيجاد أسبابها والسعي إلى علاجها..
ويجب قبل أي شيء أن نتعلم أن نسمي الأشياء بأسمائها، وننتقد ما يجب انتقاده..
قاومت كثيراً أن أصبح مجرد صورة وكلمات الكترونية دون حياة.. لكنني أدركت سريعاً أنني أصبحت منعزلة تماماً عن الحياة... فاستسلمت، وقررت أن أدخل الحياة "الافتراضية" التي أصبحت هي الملتقى الوحيد للأصدقاء "الافتراضيين!!!!"..
وأنا لا أنكر أنني سعدت بإيجاد الكثير من أصدقائي القدماء وزملاء الطفولة في المدرسة، وزملاء الجامعة.. ولا أنكر أيضاً أنني تابعت الكثير عن أصدقائي، خاصة ونحن بعاد في المسافة..كما لا أنكر أنني تابعت أيضاً الكثير عن معارفي وأقاربي وحتى زملاء العمل والدراسة السابقين والحاليين...
لكنني لا أنكر أيضاً إحباطي من هؤلاء الأصدقاء الذين جعلوني مجرد "صديقة افتراضية" في عالم افتراضي.. ولم أعد الآن قريبة سوى من قلبهم "الافتراضي"..
بينما كنا نتناول وجبة الغذاء اليوم، أنا وزملائي الصحفيون.. فاجأني أو ربما لم يفاجئني لكن صدمني قول لأحد الزملاء، وهو أنه كان في ندوة تقابل فيها مع أدونيس، وطلب منه أن يجري معه حوار. فسأله أدونيس سؤالاً منطقياً وطبيعياً وهو: "هل قرأت كتبي الأخيرة؟". فقال له: "لا، في الحقيقة ليس لدي وقت لأقرأ,..." وكانت إجابة أدونيس، حسبما نقل لنا الزميل هي: "نعم.. أنت صحفي .. والصحفي لا يقرأ.. "
وغالباً فقد صدمتني هذه الإجابة، وإن كنت أجدها حقيقية جداً!!!
فلا عجب إذاً أنني أجد صعوبة منذ شهر في أن أكتب تدويناتي التي فكرت فيها كثيراً، وكتبت بعض مسوداتها... لكنني كلما قرأتها أصاب بالإحباط من ركاكة الأسلوب، ومن عدم قدرتي على الكتابة بشكل أفضل.. بالرغم من كوني أكتب يومياً 3 مقالات، أو موضوعات إخبارية.. لكنها بالفعل ليست كتابة.. وأنا بالفعل أفتقد الوقت المطلوب لقراءة أي شيء سوى أخبار وكالات الأنباء والصحف اليومية الألمانية والعربية... وهو أمر كئيب... فقد كنت أكتب بشكل يومي في مذكراتي ومفكراتي الخاصة، وكنت - إلى حد ما – أعجب بأسلوبي في الكتابة.. ولكنني الآن في الحقيقة محبطة من كتاباتي..
فهل فقدت فعلاً كل قدرتي على الكتابة الأدبية؟؟؟ وهل فقدت أسلوبي؟؟ وهل هذا هو السبب الذي يجعلني الآن أتردد كثيراً قبل أن أكتب في مدونتي؟؟؟ رغم أن لدي الكثير من الأفكار التي أردت قولها أو الموضوعات التي أردت التعليق عليها؟؟
يبدو أن الوضع سيئ.. وأنني مصابة بالفعل الآن بداء "الصحافة".. فيا للأسف.. لقد صرت صحفية، ولذلك فأنا لا أقرأ، وقريباً لن يمكنني أن أكتب...